قراءة في ديوان
نفح الذكرى
مختارات من التراث الشعري
للشاعر الراحل عبد اللطيف زغلول
بقلم: أ . سليمان فيومي
ألجامعة الأميركية - بيروت
بحلة قشيبة واوراقٍ صقيلة وإخراج فني متميز ، صدرت الطبعة الاولى من ديوان الشاعر الراحل عبد اللطيف سعيد زغلول ( 1915 – 1992 ) تحت عنوان نفح الذكرى ، وهو مختارات منتقاة من تراثه الشعري ، تمثلت بقصائد دينية ووطنية واجتماعية وعاطفية . وهذا الديوان اصدارُ خاص بورثة الشاعر .
خرج الشاعر الراحل عبداللطيف زغلول من رحم قصبات نابلس التراث والتاريخ ، وفي أحضان واديها المجنَّح بالفل والياسمين أضاء سناً من جبل النار رؤى ابداعه . لم يطلب الشاعر شهرة أو مجداً ، بل تجلى الله والوطن والحب والانسان في فضاءات الشعرية . عمل موظفاً في بريد حيفا في فلسطين أيام الانتداب البريطاني ، وفي نابلس ابان العهد الأردني حيث أصبح مساعداً لمدير البريد فيها الى أن أحيل على التقاعد عام 1967.
قضى الراحل عبد اللطيف زغلول حياته يحمل فكرة معقولة عن الحياة ويسعى لهدف معقول فيها، وكان الكتاب بالنسبة له " خير جليس في الأنام " . لم يفكر أن يحتفظ بأشعاره الا متأخرا ً، ولم يمنح نفسه لقب شاعر أو أن يكون له ديوان شعر في حياته أو بعد مماته. وضاعت بعض قصائده أو صادرتها سلطات الاحتلال الاسرائيلي .
لكنه ترك مجموعة كبيرة من القصائد الشعرية التي تناولت مختلف الموضوعات الوطنية والدينية والوجدانية والغزلية والاجتماعية التي ظلت تضيء فضاءه الشعري ، ومع تقدمه في العمر ومجاورته للبيت العتيق في مكة المكرمة اقتصر ابداعه على الموضوعات الدينية والصوفية والوطنية . وظل هذا الشاعر الراحل متفاعلاً مع بيئته ووطنه يعبر عما يختلجه من مشاعر وعواطف تجاه وطنه وأمته وعقيدته .
ووفاءً لذكرى هذا الشاعر وتراثه ، جمعت عائلته بعض قصائده التي صدرت في هذا الديوان الذي قدم له نجله الشاعر الأستاذ لطفي زغلول قائلاً : " غادر الدنيا تاركاً من نبض روحه تراثاً شعرياً ما زالت ذكراهُ تنفحُ عبقاً وكلماتُه تضيءُ ألقا ً. وفاءً لهذا الانسان ، وهو أبي ، أنثر للذكرى هذه النفحات المختارة من تراثه الشعري لتدخل بسلام ٍ ، وتستقر بأمانٍ في ذاكرة الوطن المعطاء . "
تشكل قصائد هذا الديوان ثلاثة فضاءات شعرية حيث تتوج قصائد الفضاء الأول وهي " محراب الايمان " عشر قصائد هي نخبة مختارة من قصائده الدينية والصوفية التزم بنظمها منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين حتى رحيله . ويضم الفضاء الثاني " من كل روض قصيدة " 26 قصيدة مختارة كتبها للوطن والقضية ، ولأحبائه وأصدقائه واحفاده وفي المناسبات الاجتماعية ، واشتمل الفضاء الثالث " ملاعب الهوى والشباب " على 24 قصيدة نظمها في أواخر الأربعينيات وأكثرها في الخمسينيات من القرن الماضي في فترة من العمر كان يحلو له ان يطلق عليها " عنفوان الشباب " .
تطرقت قصائده في " محراب الايمان " الى موضوعات الايمان والدعاء الى الله ومناجاته وخواطره التي استلهمها من وحي البيت الحرام ومسجد خير الأنام حيث أدى مناسك الحج والعمرة مرات عديدة . وفي قصيدة " خواطر " التي جاءت في 100 بيت ، جَسَّدت طول نفسه الشعري ، قال فيها :
الى الكعبة الغرّاء يممتُ مُحرماً - ووجهتُ وجهي للمهيمن مُسْلماً
وطفتُ ببيت الله والقلبُ ضارعٌ - لمولاهُ يرجو أن يَمُنّ ويرحما
وفاضت دموعي اذ تبدّت لناظري - ذُنوبي، وعمري كادَ أن يتصرما
وفي قصيدة " محمد " يتحدث عن الرسالة النبوية وعن سماحة الاسلام ، وأعتزاز كل من يستظل بهذه الرسالة .
دين بنى نُظمَ الحياة قويمةً - وأقام صرحاً راسخ الأركان
حَكَموا فكانَ العدلُ شيمةَ حُكمِهم - يتحدث القاصي به والدّاني
لم تشهدِ الأيَّامُ شعباً سيِّداً - كالعُربِ أهلَ تُقىً ذوي وجدانِ
ومن " وحي الاسراء والمعراج " ، أمسى الشاعر بمدح رسول الله مغرماً :
ويا سعدَ من صلَّى بروضةِ أحمدٍ - ومن عبقِ المختارِ مِسكاً تنسَّما
وأنسَ من نورِ النبوَّةِ هالةً - تظلِّلُ قلباً بالحبيبِ متيَّما
ولم يغفل الشاعر في قصيدته عن ذكر المسجد الأقصى المبارك الذي أصبح أسيراً تداس رحابُه وهو الذي كان معظماً على مدى الدهر :
غدا في أيادي الغاصبين رهينةً - كأن عيونَ المسلمينَ بها عمى
فواحسرتاهُ كيف صارَ مكبَّلاً - على أخوةِ الايمان باتَ محرَّما
وأهلوه ُ رهنُ القيدِ في عُقرِ دارِهم - يُعانونَ مرَّ العيشِ صاباً وعلقما
وفي "ذكرى مولد الهادي" ، يتحسر الشاعر على ما آلت اليه الأمة من ذل وهوان ويعبر عن ألمه بأبيات صورتها عين ناقدٍ حيث يقول :
كنَّا على مرِّ العُصورِ .. مَشاعلاً - تهدي الى النورِ الذي يمحو الدُجى
واليوم صِرنا .. نقتدي بعدوِّنا - يُملي عَلينا مكرَهُ .. مُستدرِجا
حتَّى اذا ملكَ الزمامِ .. اذاقنا - من حقدهِ الأعمى .. لظىً متأجِّجا
ويستذكر شهر رمضان المبارك وما حققه المسلمون في بدر وغيرها من الانتصارات في قصيدة "رمضان" حيث يؤكد على أن :
من كانَ يبغي النصرَ فليبذلْ له - أغلى المُهورِ وأشرف الأثمانِ
فالنصرُ يحرزُ بالجهادِ وبالتّقى - فهما السبيلُ لعزَّةِ الانسانِ
وعندما نسبح في الفضاء الثاني من قصائده التي هي "من كل روض قصيدة" حيث كان لأحفاده وأصدقائه والمناسبات الاجتماعية وقضايا الوطن وهمومه نصيب ٌ وافر من شعره ، نتحسس هاجسه الوطني وانتماءه. ففي قصيدته "أمة العرب" يخاطب النائمين المتقاعسين من قومه مستهجناً استهانتهم بماضيها وتاريخها حيث يقول فيها :
يا أمَّةَ العربِ أرقُدي - غطّي بِِِِنومِك وأهمُدي
وتدثَّري لا تَرفَعي - عنكِ الغطاءَ فتبْردي
وتفيَّأي ظلَّ العَدوِّ - فظلُّهُ رَطبٌ نَدي
وفي " شهيد القسطل " وهي قصيدة مطولة نظمها في العام 1948 عثر عليها ناقصة بين أوراق الشاعر في رثاء القائد الشهيد عبد القادر الحسيني نقتطف منها :
اهنأْ بِفوزِكَ بالمقامِ الأوَّل - بين الفَوارِسِ يا شَهيدَ القَسطلِ
سنظلُّ نذكرُ فيكَ رمزاً خالداً - للتضحياتِ منَ الطِرازِ الأمثلِ
ضحَّيتَ بالنفسِ العزيزةِ راضياَ - ولَحقتَ بالأبرارِ لم تتمهَّلِ
هذي فلسطينُ انتَختكَ فصُنتَها - من طعنةٍ غدَّارةٍ في المَقتَلِ
والقُدسُ قد نادتك في صَلواتِها - فحميتها من شرِّ عادٍ مُقبِلِ
يا فارس الشهداء بعدك هل يطولُ - اللَّيل في جنحِ الدُّجى أم ينجلي
هيَ ساعةٌ محزونةٌ أم نكبةٌ - ستحلُّ بالأوطانِ في المستَقبلِ
وفي هذا البيت الاخير تتجلى رؤية الشاعر ، وهي نبوءة بكل معنى الكلمة ، في استقرائه لما يمكن ان يحل بالوطن من نكبةٍ حلت به بالفعل . وخلَّد الشاعر مدينة بور سعيد وبطولات أبنائها بمناسبة العدوان الثلاثي ، الفرنسي -البريطاني – الاسرائيلي ، على مصر عام 1956 في قصيدة طويلة من 47 بيتاً ، أشاد فيها بتلك " القلعة العصماء " حيث وصفها بأنها أخت بدر وحطين وأزجى لها " تحية عربية قُدسيَّةُ النفحات " .
واحتفى الشاعر في قصيدة " جامعة النجاح " بعشرين بيتاً بمناسبة افتتاح الجامعة عام 1978 مشيداً فيها بدور العلم وبُناة الجامعات وصروح العلم ومؤكداً على مكانة الأخلاق والايمان في تطهير النفس لأنه لا فائدة من علم لا تحصِّنه الأخلاق والايمان .
أجامعةَ النجاحِ غدوتِ صرحاً - يُشادُ عليهِ مجدٌ لا يُضاهى
فربِّي النَشءَ والأجيالَ وأمضي - الى العليا وحلِّي في ذراها
سلامُ المُخلصينَ وألفُ مرحىً - لجامعةِ النجاحِ ومن بناها
وكان للفنانين والشعراء التفاتة جميلة ، خصوصاً قصيدته الى شاعرة فلسطين المرحومة فدوى طوقان التي كان لها علاقة صداقة ومودَّة مع الشاعر عبد اللطيف ، نقتطف منها :
يا ربَّةَ الابداعِ مَعذِرةً - فالحزنُ لم يخلقْ لِذي اللُّبِّ
هيّا أخرجي للدهرِ باسمةً - واستقبِليهِ بِصدرِكِ الرَّحبِ
واستلهِمي الأشعارَ لَحنَ مُنىً - ودَعي لُحونَ اليَأسِ والكأبِ
فالشِّعرُ للمحزونِ منتجعٌ - يجلو سَحابَ الهَمِّ والكَربِ
ومن آخر أعماله ، أبيات نظمها الشاعر عبد اللطيف زغلول وضع لها نجله الشاعر لطفي زغلول عنوان " على فراش الرحيل " ، حيث انتقل الى الرفيق الأعلى في عمان/ الأردن في الثاني والعشرين من شهر مايو / أيار عام 1992، وقد ووري في ثرى الاردن بعيدا عن وطنه فلسطبن ، ومسقط رأسه نابلس جبل النار التي أحبها كثيرا . وهي قصيدة مهداة الى طبيب القلب الدكتور ساكب النجار الذي كان يعالجه ، يقول فيها :
وطبيبٍ حباهُ ربِّي ذكاءً - واسمُهُ باتَ مِلءَ كُلِّ وِعاءِ
ساكبٌ تسكبُ الدَّواءَ يداهُ - في قلوبٍ وَهتْ من الأعياءِ
وكذاكَ اللِسانُ يسكبُ شَهداً - يُنعشُ القَلبَ قبلَ أخذِ الدَّواءِ
يا طبيبَ القُلوبِ حَسبُكَ ما قدْ - نلتَ من شُهرةٍ وحُسنِ ثَناءِ
فاحمدِ اللهَ واهبَ العِلمِ واشكُرْ - فَضلَهُ فَهوَ مصدرُ الآلاءِ
وأما فضاؤهُ الثالث وهو " ملاعب الهوى والشباب " ويضم بين صفحاته قصائد نظمها في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي في فترة كان يطلق عليها " عنفوان الشباب " ، فقد تناولت موضوعات الغزل والعشق بغير ابتذال أو مجون . فالحُسْنُ بالنسبة له قام على الأنوثة وأن " النساء نضارةُ الأكوان " . ففي قصيدته الى نُمَيرة يقول :
لله دَرُّكِ يا نميَرة - يا زهرةً.. بلْ يا زُهَيْرة
يا فلَّة في غُصنِها - يا وردةً سَكَنتْ شُجَيرة
يا غُصْنَ بانٍ قد تَها.. دى كالزَّوارقِ في البُحيْرة
ونلحظ قدرة الشاعر وتمكنه من رسم صور حية متحركة لنبضه الشعري وومضات قلبه في قصائده الغزلية . ففي قصيدته " الى سمراء " نجح الشاعر في وصف المرأة ورقتها وجمال قوامها :
القدُّ يَسحِرُ والعُيونُ سِهامُ - والخدُّ كأسٌ والشِّفاهُ مُدامُ
فلِسحرِ قدِّك والقوامِ تحيةٌ - ولوجنَتَيكِ وللشِّفاهِ سلامُ
قُلْ للتي قد أيْقَظَتْ فيَّ الهَوى - هاويكِ يا سمراءُ ليس يُلامُ
ومن ذكرياته في ربوع لبنان ، أشار الشاعر في قصيدته " ذكريات من ربوع لبنان " والتي نظمها عام 1949 :
عِطرُ الرِّياضِ وأنسامُ الرَّياحينِ - هاجت بقلبي ذكرَ الحورِ والعينِ
أينَ الكواكبُ من اشراقِ طلعتها - وأينَ من خدِّها أكمامُ نَسْرِينِ
وأينَ من قدِّها الميَّاسِ غُصنُ نَقَا - وأينَ من عَطْفِها سحرُ الأفانينِ
وما لقلبي الى لُبنانَ تجذبُهُ - رَيَّاكِ يا (....) والشَّوقُ يدعوني
لمَّا ذَكَرْتُكِ ثارَ الوجدُ في كَبدي - وهزّني لاعِجٌ ما انفكَّ يُضنيني
وان أَكُنْ ذا شَقاءٍ فَالمُنى صُدَفٌ - والحظُّ في الحُبِّ شيءٌ غيرُ مضمونِ
وأخيراً ، فلقد تمكن الشاعر من الامساك بناصية الشعر والبيان ، وغطت على أشعاره روح الايمان بالله وبالعقيدة والوطن ، واستلهم هذه المعطيات الايمانية والانسانية في شعره من خلال الحكم المأثورة وايمانه الديني الراسخ .
ملك الشاعر الراحل عبد اللطيف زغلول ناصية البيان ، وتميزت قصائده بمتانة التركيب اللغوي وجمال الصور البلاغية وطول النفس الشعري دون أدنى تكلف في الوزن والقافية في قصائده الطويلة. وعواطفه صادقة جيَّاشة تجول فيها ومن خلالها على متن قصائده على أجنحة الخيال الشعري وطاف في جنة الله الواسعة على عالم المرأة والجمال، وتعطر شعره بنفحات الايمان واكتست أوزانه الشعرية البحور والقوافي مؤكداً انتماءه والتصاقه باللغة العربية التي أنزل الله بها القرآن الكريم ونقلت الابداع الانساني الى العالم أجمع .
وقد ظل شاعرنا يرتقي في موضوعات قصائده ، وبقي أميناً على مبادئه ومعتقداته، وحريصاً على لغته ومضامينها ، وحافظ على خطه الراسخ في أن القصيدة هي خلاصة ابداعٍ انساني لا تحط رحالها الا في رحاب الايمان اطاعةً لله ، وخدمة للوطن ، وتقديراً للمرأة والانسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم .
ان الحديث عن الشاعر الراحل عبد اللطيف زغلول ، لا ينتهي بانتهاء هذه الاسطر التي اعترف انها لن توفيه حقه . ان سيرته اكبر من ان ترويها سطور عاجلة . الا انه بعض الوفاء والتقدير لهذا الانسان الذي – ان مات وارتحل جسدا – ، فان روحه ما زالت ترفرف في محراب نجله الشاعر المبدع لطفي زغلول ، والذي آلى على نفسه ان يكون قيما على تراث والده الشعري .