قراءة في
ديوان نفح الذكرى
أبجديات
وفاء لوعد الينابيبع التي لا تجف
مع الشاعر الراحل عبد اللطيف زغلول
بقلم الشاعر والكاتب الفلسطيني
علي الخليلي

    لم يبحث الشاعر الراحل عبد اللطيف زغلول " 1915-1992 " ، عن الشهرة في حياته ، وحتى انه لم يحرص فيها على لقب " شاعر " ، كما انه لم يحرص بالتالي على تجميع شعره ونشره في كتاب " ديوان " .

    كان مكتفيا بما يفيض من شاعريته المتألقة على من حوله من اهله واصدقائه الاقربيبن في مدينة نابلس . وكنت منذ طفولتي ، واحدا من اصدقاء ابنائه ، وبخاصة ابنه محمد " ابن صفي " ، واما ابنه البكر لطفي " الشاعر المعروف لطفي زغلول " ، فكان اكبر مني بست او سبع سنوات . غير ان الحارة الواحدة التي جمعتنا ، في سفح جرزيم ، كانت تلغي عامل السن  وتقترب بنا من اسر عديدة ، الى وضع العائلة الواحدة  وهو ما وفر لي فرصة اللقاء الطيب بالراحل ، والدخول مرارا الى منزله ، والاطلاع على بعض قصائده .

    كنت اقرزم الشعر في مطلع الخمسينات ، حين كان الراحل عبد اللطيف زغلول يكتب الشعر " او يقرضه " باتقان عال ، اقارنه فيه بالشاعرة الكبيرة ، ابنة الحارة ذاتها ، فدوى طوقان ، بخاصة بعد صدور ديوانها الاول " وحدي مع الايام " ، في العام 1955 . ولم يكن ابنه صديقي محمد " اصبح طبيبا " يكترث بالشعر او يهتم به ، على عكس اخيه لطفي الذي كان يمثل الوريث لشاعرية والده ، بجدارة ودأب وابداع ، في مرحلة مبكرة .

    اذكر مقاطع من بعض شعر الراحل . الا انني اطويها في الذاكرة . والايام تتوالى . ولطفي يصبح شاعرا معروفا ، في الوقت الذي يغمر فيه النسيان المطبق شعر والده . ومحمد يغادر الى المنفى والحارة تتمزق اشتاتا تحت الاحتلال وخرائبه . وانا ايضا ، اغادر ثم اعود  لأقف في الحارة بين المنازل وقفة " المتنبي " جد الشعراء اجمعين " لك يا منازل في القلوب منازل .. " .

    تتواصل الصداقة مع الشاعر لطفي . وفي كل مرة التقي معه ، اتذكر والده المتعفف طوال عمره عن العلاقات العامة ، وعن شللية الشعراء وتجمعاتهم ، وقد افنى عمره الى يوم تقاعده في منتصف العام 1967 ، موظفا في بريد نابلس ، وشاعرا بصمت ، حتى رحل هذا الوالد المكافح والمرهف بفكره واحساسه بعيدا عن وطنه في العام 1992 .

    بعد اثنتي عشرة سنة ، في العام 2004 ، اصدر لطفي مختارات من شعر والده الراحل ، ولعله كما احسب ، كان يفكر باصدارها قبل ذلك ، غير انه كان مترددا : ماذا يختار : حتى حسم امره ، واصدرها تحت عنوان " نفح الذكرى " .

    اهداني في حينه نسخة منها ، ووعدت ان اكتب عنها ، تاخرت بالكتابة ، ربما لحيرتي . فقد رايت ان المختارات مختصرة كثيرا . ثمة قصائد " كما احسب " تم اغفالها ، او انها ضاعت وفقدت .

    الآن اكتب وفي النفس وهج من ذكرى الراحل ، ومن وفاء ابنه الصديق لطفي .

    في المقدمة يشرح لنا لطفي اسباب واقع الضياع والفقدان ، لبعض او معظم تراث الراحل : " كان يكتب قصائده على قصاصات من الورق ، تعرضت في كثير من الاحيان للضياع او التلف . او انه كان يهديها لاصدقائه واقاربه . ولم يفكر ان يحتفظ باشعاره الا متاخرا . ويمكن القول انه لم يكن حريصا على قصائده .. " .

    والى جانب هذا " الموقف الشخصي " من الشاعر الراحل نفسه ازاء شعره ، تضيف لنا المقدمة ، انه حين وقع الاحتلال الاسرائيلي سنة 1967 ، اخفى في حفرة مجموعة من قصائده الوطنية مع خرائط لفلسطين التاريخية ، ليجد لما اراد ان يستعيدها ، انها اصابها التلف الشديد . وفي مرة ثانية ، صودرت قصائد له ضمن مواد ثقافية اخرى ، لدى محاولة ادخالها عبر الجسر مرسلة من الاردن ، حيث كان يقيم في اواخر ايامه .

    اختار لطفي مصطلح " فضاءات " في تقسيم المختارات الى ثلاثة منها . الفضاء الاول " في محراب الايمان " كما سمّاه . والثاني " من كل روض قصيدة " . والثالث " ملاعب الهوى والشباب " .

    ورغم عناية المقدمة بالحديث عن ملامح مهمة من السيرة الذاتية للراحل ، ومن شغفه باللغة العربية ، واطلاعه المكثف على امهات الكتب العربية ، الا انها خلت من التعريف الوافي بهذه الفضاءات ومداليلها الادبية والفنية ، او بالعرض والتحليل للتجربة الشعرية ذاتها . ويجوز ان الابن الوفي لطفي احجم عن نقد تجربة والده ، من باب الرهبة والخشوع ، فترك للنقاد ، وللشعراء الآخرين ان يقوموا بهذه المهمة .

    يشتمل الفضاء الاول على قصائد دينية صوفية ، يقول لطفي في تقديمها ان والده الراحل التزم بنظمها منذ مطلع السبعينيات حتى رحيله . هل يعني ذلك انه اختار" التصوف " ولو على المستوى الشعري ، على الاقل ، منهجا لحياته ، او لشعره ، بعد هزيمة العام 1967 ؟ . الا ان هذا التصوف بكل احواله لم يحجب عن الشاعر همه السياسي ، والتصاقه بقضيته الوطنية .

    في قصيدة " من وحي المسجد الحرام " :
فقمت الى مثوى الحبيب أبثه                   خواطر مكلوم يلوب تألما
على المسجد الاقصى اسيرا مكبلا        غدا في يد الاعداء نهبا مقسما
وطال انتظار الزحف والوعد لم يزل      كلاما .. وكان الله بالسر اعلما

    وفي الفضاء الثاني تتجلى شاعرية الراحل بقصائد وطنية وقومية ذات خطابية انشادية تتوافق مع مرحلتها . من قصيدة  " أمة العرب " التي يتألم فيها من الهوان العربي المسيطر ، ويدعو الى التمرد والثورة :
صحت الشعوب وأنتمو.. رهن الظلام السرمدي
يا للهوان غدوتمو............. ألعوبة للمعتدي
وفي العام 1956 ، يكتب لبورسعبد التي اخذت شهرتها في التصدي البطولي للعدوان الثلاثي على مصر في عهد الرئيس الذي كانت شهرته القومية تطبق الآفاق ، جمال عبد الناصر ، :
يا بورسعيد وما أعز اسما غدا                   أنشودة الأبطال في الهيجاء
يا بورسعيد تحية عربية ......                  ... قدسية النفحات والأشذاء
هذا جمال العرب فخر زمانه ..                  .. أعظم به بطلا وصنو علاء      

    واما قصيدته " شهيد القسطل " في رثاء القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني في العام 1948 ، فانها تكشف عن رؤية مستقبلية مؤلمة تثقل على وجدان الراحل ، فيهجس من خلالها بالنكبة الفلسطينية قبل حدوثها :
إهنأ بفوزك في المقام الأول                بين الفوارس يا شهيد القسطل
يا فارس الشهداء .. بعدك هل يطول ..... الليل في جنح الدجى أم ينجلي
هي ساعة محزونة .. أم نكبة              ستحل بالأوطان في المستقبل

    واحسب ان الفضاء الثالث " ملاعب الهوى والشباب ” ، والذي يضم قصائد الاربعينيات والخمسينيات ، هو منبع شاعرية الراحل ، بتدفق العاطفة ، وانسجام المخيلة مع النفس والبيئة والناس العاديين ، والحب والجمال ، وكل ما يفجّر الشعر ، ويصنع من موظف البريد شاعرا ملهما ، حتى ولو تعفف عن حمل اللقب .

    تحتاج هذه الفضاءات ، او هذه المختارات عامة ، على اية حال ، للدراسة النقدية المتعمقة التي تنصف الراحل ، وتدفع به الى ما يليق به من مكانة هوجدير بها ، في الحركة الشعرية الفلسطينية ، في النصف الاول من القرن الماضي .

    وما كتبته في هذا الشأن ، ليس سوى وفاء متواضع لوعد احس معه الآن ، باطمئنان الروح في " نفح الذكرى " ، وفي تفتح الذاكرة على ماض لم يمت وما زال ينبض حياة ، وعلى ينابيع لا تجف أبدا .