التراث الشعري للشاعر الراحل
عبداللطيف زغلول
من مقدمة ديوانه
نفح الذكرى
بقلم نجله الشاعر والكاتب
لطفي زغلول
نظم عبداللطيف الشعر في سن مبكرة جدا ، وكان يكتب قصائده على قصاصات من الورق تعرضت في كثير من الأحيان للضياع أو التلف ، أو أنه كان يهيدها لأصدقائه أو أقربائه . ولم يفكر أن يحتفظ بأشعاره الا متأخرا ، ويمكن القول انه لم يكن حريصا على قصائده ، اذ كان يردد دائما انه سيكتب أفضل منها وأحسن . وعلاوة على ذلك كله فهو لم يمنح نفسه لقب شاعر ، ولم يخطر قط في حسبانه أن يكون له ديوان شعر في حياته أو حتى بعد مماته .
لقد كان نظم الشعر بالنسبة له تفريغا لأحاسيس ومشاعر وانفعالات على وريقات بيضاء فتزهر عقودا من الكلمات تسبح في بحور شعرية لها أوزانها وقوافيها ولون من العاطفة يسبغه عليها .
وهنا لا بد من الوقوف عند حادثي ضياع لتراثه الشعري . كان الأول في العام 1967 حين احتلت مدينة نابلس آنذاك على أيدي القوات الاسرائيلية ، قام عبد اللطيف باخفاء مجموعة من قصائده الوطنية كان محورها القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الاسرائيلي مع بعض الخرائط لفلسطين التاريخية ليجد انها أصابها التلف الشديد لدى معاودة استخراجها من الحفرة التي دفنها فيها . واما المرة الثانية فكانت مصادرة بعض قصائده ضمن مواد ثقافية اخرى لدى الدخول بها عبر الجسر مرسلة من الاردن حيث كان يقيم في أواخر أيامه .
اضاءة لفضائه الشعري
ترك المرحوم عبداللطيف زغلول مجموعة كبيرة من القصائد الشعرية في الموضوعات الدينية والوطنية والوجدانية والغزلية والاجتماعية ، وهي هي الموضوعات التقليدية التي كانت أكثر رواجا ابان حياته ، والتي ظلت تضيء فضاءه الشعري حتى آخر ايامه مع فارق أنها أخذت بالانحسار شيئا فشيئا مع تقدمه في العمر فيما يخص كل الموضوعات باستثناء الدينية والصوفية والوطنية منها التي انحصر ابداعه في مجالها .
وهنا لا بد من الاشارة الى أن شاعرنا وتحديدا في عنفوان شبابه كما كان يحلو له أن يسمى تلك الفترة من عمره ، نظم القصائد الغزلية ذات الابعاد والاتجاهات المختلفة . وقد اتسم بعضها بالجرأة الا أنها لم تصل الى حد الابتذال والمجون . وله في هذا الصدد العديد من القصائد اخترت بعضها وأنزلتها في هذه المجموعة مثالا لا حصرا ، هادفا من وراء ذلك التركيز على الجانب الصوفي الديني الذي اختاره في النهاية وظل ثابتا عليه حتى أسلم الروح الى بارئها .
وهنا يجدر التذكير بأن الراحل عبداللطيف قد قضى حوالي عقدين من عمره في الديار الحجازية وبخاصة في مكة المكرمة . وليس هناك من أدنى شك في أن مجاورة بيت الله الحرام في مكة المكرمة ، والحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة كان لهما دور رئيس في توجهه الديني الصوفي .
بالنسبة لشاعرنا عبداللطيف زغلول ، كان الشعر لغته الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية والعاطفية والعقائدية . وكان يترجم أحاسيسه وتفاعله مع بيئته الى انفعالات ينظمها قصائد يحلق على أجنحتها في سماء الجماعة الانسانية التي يعيش معها ويتقاسمان السراء والضراء . كانت هذه القصائد تفتح له بابا يدخل من خلاله ليشارك ويساهم في كل التفاعلات الجارية في مجتمعه ليجد نفسه طواعية وانتماء لوطنه وأهله مكافحا منافحا موجها مباهيا مفاخرا مغازلا من خلال قصائده لعلها تكون اسهاما يشعره أنه قدم شيئا في حياته غير خدمته من خلال عمله ووظيفته . ولكنه كان يصرح على الدوام أنه لا يبغي في المقام الأول الا أن يعبر عن مكنونات مشاعره وعواطفه وما يجيش في بحور رؤاه تجاه وطنه واهله وعقيدته وتاريخ أمته .
كان يقول لي ردا على الحاحي ومطالبتي اياه أن يصدر ديوانا شعريا له : " انا لا أفكر في هذا الموضوع في حياتي . أنت يا لطفي شاعر وأتنبأ لك بمستقبل باهر في الشعر ، فاذا أحببت أن يكون لك ديوان أو أكثر فانني أتمنى لك التوفيق . أما بالنسبة لي ففي هذا الصندوق توجد مجموعة من أوراقي الشعرية بخط يدي ، وبعد أن اغادر هذه الدنيا الفانية الى دار البقاء ، افعل بها ما تشاء " .
في اليوم الثاني من شهر كانون الاول عام 1987 - وهو آخر عهده بالوطن ومسقط الرأس مدينة نابلس - أي قبيل نشوب الانتفاضة الفلسطينية الاولى بخمسة أيام ، كرر لي صبيحة مغادرته أرض نابلس " تذكر ما قلته لك يا لطفي بشأن أوراقي ، ان الأرث الوحيد الذي يمكن أن أتركه لك هو هذه الاشعار ، وهذه المكتبة العامرة بأمهات الكتب " .
مواقف وآراء
كان الرحل الشاعر عبداللطيف زغلول ، يحب اللغة العربية حبا جما ، ولا عجب في ذلك فهي من منظوره اللغة التي أنزل الله بها القرآن الكريم ، وهي اللغة التي تحتضن وتختزن كنوز العلم والمعرفة والأدب التي فاض بها الابداع الحضاري العربي الاسلامي . وهي لغة الجمال والرقة والعذوبة والخيال والفروسية والبلاغة والفصاحة ، وهي لغة الانتماء القومي والعقائدي . وهي أخيرا لا آخرا أم اللغات السامية جميعها .
ما زلت أتذكر قوله لي : " لن تكون يا لطفي كاتبا أو شاعرا اذا لم تعشق لغتك وتتقنها صرفا ونحوا وبلاغة . وكان على الدوام يردد : بئس قول لم يهذبه الكتاب"، ويقصد هنا القرآن الكريم ببلاغته وفصاحته .
وهنا تجدر الاشارة الى أنه عمل مستشارا لغويا لبعض الجامعات في الاردن والسعودية . وقد ترك مجموعة من المقالات النثرية في موضوعات شتى . وكان دائم التغني بنمطية الشعر العربي وتقنياته المتوارثة . وكان يقول ليس هناك من شعر عرفته البشرية كالشعر العربي القائم على أسس متينة من البحور والاوزان والقوافي . ليس كل كلام مهما رق وعذب وتجمل بشعر له حسب ونسب وانتماء الى صرح حضاري هو هذا النمط ذو الخصوصية والتميز والشخصية المتفردة ، والذي وحد شعراء العربية وضبط مسيرتهم الى الابداع . وكان يصرح على الدوام أنه لا يؤمن بشعر التفعيلة كبديل مسخ لهذه القامة المنتصبة الشامخة المتمثلة بالشعر العمودي ، ومع انه لا يعتبر شعر التفعيلة شعرا ، الا أنه احترمه باعتباره فنا أدبيا يقف عند عتبات الشعر العربي ، ولكنه لا يدخل الى صرحه .
قراءة سريعة في سمات فضائه الشعري
ان القارىء لشعر الراحل عبداللطيف زغلول بكل ألوان طيفه ، يمكن أن يخرج بصورة ذهنية مفادها أن قصائده لها مواصفات يمكن اجمالها بمتانة التركيب اللغوي والقواعدي نحوه وصرفه مزدانة بحلة بلاغية وطول نفس شعري دون أدنى تكلف في رص بنيان منظومة القوافي وبخاصة في قصائده التي تتعدى خمسين بيتا وهي كثر .
وتظل صدقية العواطف في الشعر بعامة ساحة نقاش وأخذ ورد ، ويمكن أن يقال في اتجاهاتها الشيء الكثير . وشاعرنا تنبع قصائده من عواطف جياشة وتفيض بها وبخاصة في قصائده الدينية والوطنية والاجتماعية . وهو كغيره من الشعراء له سبحاته وصولاته وجولاته على أجنحة الخيال الشعري الذي سافر فيه الى عالم المرأة والجمال والغزل . فنظم الكثير من القصائد الغزلية في ريعان شبابه وعنفوانه تلك الفترة من حياة الانسان التي يسودها مناخ تقلب العواطف والاهواء وعدم استقرارها وسيطرة الانفعال الوقتي والتأثر اللحظي .
وهنا لا بد من الاشارة الى تلك الأيام التي عاشها شاعرنا ، فقد كانت وسائل الالتقاء بالجمهور لاسماعه الشعر تتمحور حول اجتماعات الاصدقاء وسهراتهم . وأما الدائرة الأكبر فهي المناسبات والاحتفالات الدينية والوطنية والاجتماعية . وهناك الصحف المحلية التي تنشر بين الفينة والأخرى القصائد والموضوعات الادبية . أما الصحف العربية فهي محدودة . وكانت الذروة في لقاء الجماهير تتمثل في الاذاعة الصوتية . ويمكن القول بان شاعرنا قد جرب كل هذه الوسائل ولكن بدرجات متفاوتة ومتباينة .
ما زلت أتذكر
ما زلت أتذكر يوم كان يناديني مبتسما وفي يده اوراق تتراقص فرحا ونشوة ، حينها كنت أدرك أن قصيدة جديدة ولدت ، وأنه بصدد اسماعي اياها . كنت أستمع اليه وهو يقرأ القصيدة بصوته الجهوري الواثق من كل حرف وكلمة يقولها أو بصحيح العبارة يتغنى بها ، فتضيء كلماته فضاءات أحلق فيها كأنني أنا الذي نظمت هذا الشعر سابحا به الى مدارات قاصية من اللون والظل والشذا .
كان يدرك انفعالاتي وتجاوبي مع ابداعه ويقول لي : " كن هكذا قويا جريئا واثقا مما تقول ، وتجدد في كل قصيدة ولا تكرر نفسك ، وأكتب ما تمليه عليك مشاعرك وعواطفك ، ولا تقلد أو تتكلف ، وكن قريبا على الدوام من الذين سوف يستمعون اليك ولا تتعال عليهم ، واجعل بينك وبينهم مسارا معبدا بحلاوة ما تقول ".
وما زلت أتذكر يوم أصبحت اتلو عليه قصائدي وأطلب منه سماع رأيه . كان يقول لي : " أنت شاعر ، ولكن لا تقف عند هذه الدرجة ، أمامك درجات عليك أن تصعدها فاصعدها مسلحا بالتجربة وبالتفاعل والانفعال وبالقراءة وبالاصرار على الوصول . ولكنني أتمنى يا بني أن تحافظ على نمطية الشعر العربي وان لا تخرج عليه ، وان خرجت فوازن بين ما يسمونه حديثا وبين ما هو اصيل وعريق حقا " .
وأخيرا لا آخرا أتذكر الجلسات الصاخبة والحوارات الحادة والمواقف المتعاكسة الاتجاهات بيننا ليس في موضوع الشعر فحسب وانما في موضوعات شتى . ولا عجب في ذلك فهذا مشهد سلمي حضاري من مشاهد صراع الاجيال ، أعيشه هذه الايام مع ابنائي .
كلمة أخيرة وفاء لذكرى هذا الرجل
وهل هناك في الدنيا اناس ملزمون بالوفاء لانسان قبل الابناء ؟ . وأجيب عن هذا السؤال لا وألف لا . انني ملزم بالوفاء لهذا الرجل مرتين . الاولى لأنه والدي ولأنني ابنه . والثانية لأنني شاعر أدين بالكثير لشاعريته . ورغم الاختلاف في الرؤيا والمسار الشعريين بيننا ، الا أنني كنت أتفيأ وما زلت ظلاله الشعرية ، وتلك الروح التي كنت أستقرىء فيها الرفض لهذا الواقع المزري الذي آلت اليه الأمة العربية ، والتمرد عليه ، والوقوف على أمجاد الماضي التي ما انطفأت مشاعلها في ذاكرته . وأعترف هنا وفي هذا الصدد أنه لم يمت فقد تقمصت كل هذه الروح . ويكفيني أنني استلهمت ثلاثيتي الشعرية : " الله – الوطن – المرأة " من وحيه . فلا أحد يستحق أن يقال له الشعر الا هؤلاء ، وأما السلطان ايا كان ، فليس له مكان في هذا الفضاء .
نفح الذكرى
وفاء لذكرى هذا الرجل ، أخرج هذا العمل الشعري من تراث المرحوم عبداللطيف زغلول ، يشاركني في هذا الوفاء السيدة الفاضلة والدتنا زوجته ورفيقة دربه ، وكذلك زوجتي السيدة المربية سلمى ، وأبنائي المهندس عبداللطيف الذي يحمل اسم جده ، والسيدة شادن ، والمهندس أيمن الذي أخذ على عاتقه عمليات الاخراج الفني والطباعة لهذا العمل كما أخص بالذكر اخوتي الاشقاء المربية السيدة هدى والفنان التشكيلي السيد نزار ، والدكتور محمد والمهندس عدنان ، والمدير التجاري السيد عماد ، وكل اولئك الاصدقاء الذين ما زالوا يتذكرون الراحل عبداللطيف شاعرا وأديبا ولغويا ، ويحثونني باستمرار على اخراج اشعاره من عقالها .
لقد آليت على نفسي منذ الايام الاولى لرحيله ابا وشاعرا ان اجمع ما تيسر لي من تراثه الشعري وفاء لذكراه وتقديرا لهذه الروح الانسانية الشاعرة . وهذا في الدرجة الاولى شعور خاص في زمن عز فيه الوفاء النابع من الضمير والالتزام الحق تجاه كثير من المبدعين ، وان حظي البعض " بعواطف " يمكن ان يقال في مدى مصداقيتها الشيء الكثير .
انه والدي ووالد اخوتي وجد ابنائي ، ونحن اولى الناس بتكريمه واحياء ذكراه واضاءة فضاء من ابداعه ، والحفاظ على هذا التراث الشعري الذي يمثل بالنسبة لنا ولكل منصف قيمة ينبغي صونها ومعاملتها بما تستحق .
ان ما ضاع من تراث هذا الشاعر كثير ، وان ما تركه ايضا كثير . ومن هنا برزت مشكلة الجمع والتدقيق والتشكيل والطباعة ، وكلها تهون امام مشكلة الاختيار . لقد فكرت في الامر مليا ، وتساءلت : هل انشر كل ما كتب بغض النظر عن التناقض او التشعب او الخصوصية او الجرأة في بعض الموضوعات التي تناولها ؟ . الا انني واحتراما لاكثر من ثلاثة عقود هي الاخيره من عمره كرسها لله والعقيدة والوطن ، قرَّ رأيي ان اختار وان انتقي بعضها للنشر ، وان احتفظ بالبعض الاخر ، علني اذا قدر لي ان اجد لها سبيلا ما ، أو ان تبقى طيّ الحفظ والصون مع مجموعاتي الشعرية الاخرى التي لن اقوم بنشرها .
استمطر عليك شآبيب الرحمة والغفران يا أبي ايها الشاعر والمعلم والمربي والمؤرخ واللغوي الاول في حياتي ، واستميحك العذر ان مال بي الهوى هكذا او هكذا بغير قصد في نشر هذا التراث تخليدا لذكراك ، وهدية مني ومن والدتي واخوتي وانجالي الى اهلك واحبابك والى كل من يعشق الكلمة الشاعرة